سليمان الدخيل
7
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
وضرب عسكره على الصراة ، وتدبر موقعها فأعجبه وقال : هذه دجله ليس بيننا وبين الصين شئ يأتينا فيها كل ما في البحر وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية « 1 » وما حول ذلك ، وهذه الفرات يجئ فيها كل شئ من الشام والرقة وما حول ذلك ، كما أنه لاحظ خصب البقعة التي تقع فيها بغداد ، الأمر الذي ييسر لسكانها رغد العيش ، يضاف إلى ذلك سهولة الدفاع عن موضوع بغداد ، فإن هاجمها أحد كانت دجلة والفرات وروافدهما خنادق لها ، فإذا خربت القناطر احتاج العدو إلى العبور ، لذلك فإن الهجوم عليها أمر صعب « 2 » . أصاب المنصور في اختياره لبغداد حاضرة لدولته ، وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته عن الشروط الواجب توافرها في الحاضرة فقال : أما أن تقع على هضبة متوعرة من الجبل ، وأما باستدارة بحر أو نهر بها حتى لا يوصل إليها بعد العبور ، وطيب الهواء للسلامة من الأمراض ، وقرب الزرع منها ليحصل الناس على الأقوات . وكانت الأرض التي تقع فيها بغداد منذ القدم من أهم مراكز الحضارة ، وازدهرت فيها بصفة خاصة الثقافة الشرقية القديمة ، وكانت من أهم المراكز التجارية حيث تلتقى فيها عدة طرق تصلها بمختلف البلاد ، وشهدت هذه الأرض الحواضر « 3 » عظيمة مثل بابل وسلوقية والمدائن وورثت بغداد هذه بل واستخدم في بنائها أنقاض مدينة المدائن التي تبعد عنها بضعة كيلو مترات « 4 » . أحاط بتأسيس مدينة بغداد روايات من نسج الخيال رواها الكتاب العرب ، فذكروا أن رهبان الدير القريب من مدينة بغداد سأل المنصور عن الرجل الذي يريد بناء المدينة ، فقيل له المنصور ، فقال الراهب للرجل : اذهب إلى صاحبك وقل له لا يتعب نفسه في بناء هذه المدينة ، فأنا نجد في كتبنا أن رجلا اسمه
--> ( 1 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك - حوادث سنة 145 ه . ( 2 ) مقدمة : ابن خدون ص 343 . ( 3 ) Ency . of Islam . Art Baghdad ( 4 ) Hitti : Hist , of the Arabs P . 242 .